ترتلّيانوس
دفاع
عن التّوحيد فهرس الموضوع مقدّمة
المترجم 1- الفصول 1-10 2- الفصول
11-22 3- الفصول
23-37 4- الفصول
38-50 |
|
( أو دفاع عن التّوحيد)
مقدّمة
المترجم يعَدّ الإفريقيّ
كوِنتوس سبتيموس
فلورنس ترتلّيانوس
مؤسّس الأدب
النّصرانيّ
اللاّتينيّ
وأحد أفضل النّاثرين
وُلد حوالي 160
م بقرطاج في أسرة
وثنيّة. بعد دراسته
اشتغل بالمحاماة
في رومية ثمّ
عاد إلى قرطاج
في 195 وكتب خطابه
هذا دفاعا عن
النّصارى في
197، فكان أوّل
من كتب في هذا
النّوع باللاّتينيّة
إذ كتب سابقوه
كأرستيدس ويستينوس
وأثيناغوراس
وأوريجينس أو
تاتيانس باليونانيّة.
عُرف بتشدّده
مثلا في موقفه
من المسرح والفنون
والحجاب وزواج
الأرامل والصّوم
وقدرة القسّ
على غفران الذّنب
باسم المسيح،
ممّا جعله ينضمّ
لاحقا إلى فرقة
المُنتانيّين
ثمّ ينشقّ عنها مؤسّسا فرقة
بدّعتها الكنيسة
الكاثوليكيّة. ومن المفارقات
أنّه أوّل
من قدّم أساسا
نظريّا لسلطة
الكنيسة في تأويل
الكتاب المقدّس
والتّبديع. توفّي
220-225 م. وقد رأينا
ترجمة المنافحة لأسباب منها:
1- قيمتها
بالنّسبة لدراسة
التّاريخ الدّينيّ
والاجتماعيّ
لإفريقية والامبراطوريّة
الرّومانيّة.
2- قيمتها
الأدبيّة، فترتلّيانوس
معلَم بارز
يندرج ضمن عدّة
كتّاب أفارقة
لعبوا دورا هامّا
في الدّفاع عن
النّصرانيّة
كفيلكس معاصره وأرنوبيوس
وكبريانوس وأغسطينوس لاحقا. وهو
ينفرد بينهم
بحدّة وقوّة
ردّه،
فحماسه يختلف
مثلا عن دفاع
فليكس المصوغ
في شكل حوار مهذّب،
وحججه تختلف
عن الّتي نجدها
في منافحة أثيناغوراس مثلا في
قوّة صياغتها
أكثر ممّا تختلف
في المضمون، وبعكس أوريجينس
مثلا يرفض الحضارة
اليونانيّة
الرّومانيّة
وإرثها الثّقافيّ
جملة وتفصيلا
مع سعة إلمامه
بهما ويشبه
في ذلك تاتيانوس، وهو في أسلوبه
يعتمد على وقع
صيغه الخطابيّة
وتعابيره المفاجئة
أكثر من قوّة
المنطق. 3- أنّ
المسلمين في
إطار الحوار
مع النّصرانيّة
بحاجة إلى معرفة
المزيد عنها
وعن تاريخها
وأدبيّاتها،
والدّيانتان
رغم اختلافهما
العقائدي خرجتا
من مشكاة واحدة
وترفعان قيما
متشابهة أو متقاربة.
4- أنّ الاضطهاد
الّذي عانى منه
النّصارى في
الامبراطوريّة
الرّومانيّة
طيلة 3 قرون، لكن بصفة غير منتظمة، يشبه
في مبرّراته ( الإجرام،
عدم الاندماج،
عدم الجدوى الاقتصاديّة،
رفض قيم المجتمع
الرّومانيّ)
إلى حدّ ما اضطهاد المسلمين
اليوم في ظلّ
النّظام العالميّ
الجديد. 5- أنّ في الأدب
العربيّ رافدا
نصرانيّا مهمّا
منذ الجاهليّة
حتّى إن كان جلّ
شعر الجاهليّين
النّصرانيّ
منحولا. يتوجّه
ترتلّيانوس
في منافحته إلى ولاة الأقاليم
الرّومانيّة
فيدعوهم إلى
إعادة النّظر
في قضيّة النّصارى
نافيا وجود أساس قانونيّ
لاضطهادهم. ثمّ
يردّ على التّهم
الموجّهة إليهم،
سواء الفرى عن
ممارسات خفيّة
كالضّحايا البشريّة
وزنا المحارم،
أو امتناعهم
جهرا عن المشاركة
في عبادة الآلهة
الوثنيّة والامبراطور،
منتقدا بعنف
دين الرّومان
ومؤكّدا ولاء
النّصارى للامبراطوريّة
واندماجهم في
نسيجها الاقتصاديّ
والاجتماعيّ.
أخيرا يؤكّد
اختلاف النّصرانيّة
عن الفرق الفلسفيّة
ومصدرها الإلهيّ
مشيدا بروح التّضحية
عندهم ومندّدا
بغوغائيّة السّاسة. من كلماته
الشّهيرة: "النّفس
بالفطرة على
دين التّوحيد"،
"بذر هو دم النّصارى"،
"النّاس لا يولدون،
بل يصيرون نصارى"،
"انظر كيف يحبّ
بعضهم بعضا".
وقد
وضعنا بين قوسين
المقاطع الّتي
لم ترد في كلّ
النّسخ، وعلامة
* على بعض الأسماء
والمقاطع الّتي
علّقنا عليها
في آخر الكتاب،
كما ألحقنا ملخّصا
لمنافحته لتمكين
القارئ من متابعة
تسلسلها. ونرجو
أن نكون وُفّقنا
في التّرجمة
والله وليّ التّوفيق.
عمّار الجلاصي،
3/3/2001 |
|
دفاع عن التّوحيد 1 الدّعوة إلى إعادة النّظر في قضيّة النّصارىإن لم يسعْكم يا ولاة الامبراطوريّة الرّومانيّة النّظر علانية من علاء منزلتكم المرموقة على رأس الدّولة في قضيّة النّصارى والتّحقيق حولها أمام الجميع، إن كانت سلطتكم توْجل أو تخْجل من التّحرّي علنا وبتبصّر العدالة حول هذه القضيّة دون سواها، أخيرا وكما تمّ مؤخّرا إن كمّم اضطهاد هذه الملّة المشطّ فم الدّفاع في بعض المحاكمات المحلّيّة*، فاسمحوا على الأقلّ بأن تصل الحقيقة إلى مسامعكم من خلال رسالة خرساء لا ترافقها أيّة ضجّة. ليس لها ما ترتجي بخصوص قضيّتها فهي لا تعجَب من وضعها وتعلم أنّها تسير كغريبة في الدّنيا* ولا غرو أن تجد بين الغرباء أعداء، لكنّ لها في السّماوات أهلها ووطنها ورجاءها وحظوتها ومجدها؛ في انتظار ذلك لها رغبة واحدة: ألاّ تدان جهلا. فأيّ ضير على القوانين، ولها السّلطان المطلق في مجالها، من الاستماع إليها؟ أيزداد سلطانها حين تدين الحقيقة بدون سماعها؟ وإلاّ إن تدنها بدون سماعها فإذّاك ستستحقّ فضلا عن طابع الجور البغيض أن يُرتاب في تحيّزها لرفضها سماع ما لا تستطيع إدانته لو سمعته. نضع إذن نصب أعينكم هذا السّبب الأوّل لما في الكراهية تجاه اسم النّصارى من ظلم. والذّريعة نفسها، الّتي تبدو تبريرا لهذا الظّلم، وهي الجهل طبعا، تضاعفه وتدحضه؛ وهل أظلم من أن يكره النّاس ما يجهلون، حتّى لو استحقّ الكراهية فعلا؟ فإنّما تحقّ الكراهية متى عُلم أنّها تحقّ. أمّا في غياب العلم باستحقاقها، فبم يُستدلّ على عدل الكراهية الّذي يجب إثباته لا من الأمر الواقع، بل بالاقتناع الباطن؟ فعلا، إن كره النّاس لجهلهم بحقيقة ما يكرهون، ألا يمكن أن يكون ما يكرهون بهذا النّحو تحديدا ما يجب ألاّ يكرهوا؟ هكذا نبيّن بطلان كلا الموقفين انطلاقا من الآخر: أنّهم يجهلون في كرههم، ويكرهون ظلما في جهلهم. دليل جهلهم الّذي وإن فسّر ظلمهم يدينه أنّ كلّ من كانوا يكرهون سابقا لجهلهم بحقيقة ما يكرهون يكفّون عن كرههم فور زوال جهلهم؛ فهم يتحوّلون إلى نصارى عن اقتناع، ويكرهون مذّاك ما كانوا قبل تحوّلهم إليها، ويجاهرون بما كانوا يكرهون؛ وإنّهم ليدخلون في هذا الدّين بالأعداد الّتي يشيعها غيرهم. تتعالى الأصوات بأنّهم اندسّوا في المدينة، بأنّ النّصارى في الحقول والقرى المحصّنة والجزر، وترتفع الشّكاوى من دخول النّاس في هذا الدّين أفواجا من كلّ جنس وعمر وفئة بل وكلّ منزلة، كما لو كان ذلك ضررا فادحا. لكن لا يخطر ببالهم افتراض خير خفيّ فيه، لا يمكنهم تصوّره بنحو أقوم ولا يعجبهم تجريبه عن كثب. هنا فقط يثّاقل فضولهم الإنسانيّ؛ يحبّذون الجهل بينما يسعد غيرهم بالمعرفة؛ ولكم كان أناخرسيس* سيشنّع أكثر على هؤلاء الجاهلين الّذين يحكمون على العارفين، < كمن ينتقدون أهل الفنّ وهم يجهلونه>. يؤثرون الجهل، لكراهيتهم المسبقة؛ هكذا يحكمون مسبقا على ما يجهلون بأنّه بالصّورة الّتي يظنّون، ولو عرفوه لما أمكن أن يكرهوه، بينما الأوْلى بلا شكّ إن لم يُكتشف مسوّغ للكراهية، الكفّ فورا عن كراهية لا موجب لها. وإن اتّضح أنّ لها مبرّرا فلا داعي إذّاك لتخفيفها، بل فوق ذلك، يدعو شرف العدل نفسه إلى الاستمرار عليها. لكن قد يقال: "ليس أمر ما خيرا لمجرّد اجتذابه كثيرين: فكم من النّاس يغويهم الشّرّ < وكم منهم يستهويهم الضّلال! من ينكر ذلك؟> لكنّ ما هو شرّ حقّا لا يجرؤ المنجرّون إليه على الدّفاع عنه كخير. فقد ألقت الطّبيعة على كلّ شرّ ستارا من الخوف أو الخجل. لذا يرغب الأشرار في الاختفاء، ويتجنّبون الظّهور، ويضطربون إذا قُبض عليهم، وينكرون ما يُتّهمون به، وحتّى تحت التّعذيب لا يقرّون بسهولة ولا في كلّ الأحوال، ويأسفون بالتّأكيد عند إدانتهم: يقرّون في خفايا سرائرهم بأنّهم دُفعوا بشرّ أنفسهم ويعزون للقدر والبروج خطاياهم ولا يريدون الإقرار بأنّ ما يعلمونه شرّا هو من عند أنفسهم. فهل من شبه للنّصرانيّ بذلك؟ لا أحد يخجل أو يندم على شيء سوى أنّه لم يكن كذلك في وقت أبكر؛ إن أشير إليه افتخر وإن اتُّهم ما أنكر وإن استُجوب، بل ومن تلقاء نفسه، أقرّ وإن أدين شكر. فأيّ شرّ هذا الّذي لا يقترن بسمات الشّرّ المعتادة، من خوف وخجل وتنصّل وندم وحسرة؟ ماذا؟ أشرّ هذا الّذي يسعد المتّهم به؟ الّذي تهمته مُنية وعقابه نعمة؟ لا يجوز أن تصِم بالجنون ما ثبت أنّك تجهله. 2 انتفاء الأسس القانونيّة للأحكام الصّادرة ضدّهم ثمّ إن ثبت لديكم أنّنا شرّ المجرمين فلِم تعاملوننا بخلاف ما تعاملون أمثالنا، أعني المجرمين الآخرين، بينما يُفترض أن تلقى نفس الجريمة نفس المعاملة. إذا اتُّهم الآخرون بما نُتّهم به، يمكنهم، بأنفسهم أو بتوكيل غيرهم، إثبات براءتهم، يُمنحون حقّ الرّدّ ليجادلوا عن أنفسهم، إذ لا يجوز إطلاقا أن يدان متّهمون دون الدّفاع عنهم وسماع أقوالهم. النّصارى وحدهم يُمنعون كلّيّا من قول ما يبرّئهم ويعلي الحقّ ويقي القاضيَ مزلّة الظّلم، يُنتظر منهم فقط ما يكفل تأجيج الحقد العامّ: الاعتراف بالاسم لا إيضاح الجرم. والحال أنّكم، إن خُبّرتم عن مجرم ما لا يكفيكم اعترافه بالجرم، قتلا كان أو تعدّيا على الحرمات أو زنا بالمحارم أو خيانة للوطن– لأقتصرَ على ما يُنسب إلينا- لإصدار الحكم، بل تفحصون الملابسات وطبيعة الفعل والعدد والزّمان والكيف والمكان والشّهود والشّركاء. أمّا عنّا، فلا شيء من هذا، بل المطلوب انتزاع اعترافنا بما يشاع عنّا باطلا: كم من ذبائح الأطفال ذاق كلّ منّا، وكم من جرائم الزّنا بالمحارم ارتكب تحت جنح الظّلام، وهل شهد جرمه طهاة أو كلاب؛ ولعمري أيّ مجد لحاكم يفضح واحدا منّا التهم مائة طفل! بل نجد التّحقيق ممنوعا أصلا في حالتنا؛ فعلا لمّا كان بلينيوس سيكندوس* يحكم إقليما، بعد إعدام عدد من النّصارى وتجريد آخرين من مراتبهم، استشار وقد أعيته الحيلة بشأن كثرتهم ترايانوس* الامبراطور يومذاك عمّا يفعل معهم والحال تلك، شارحا له أنّه فيما عدا إصرارهم على رفض تقديم القرابين، لم يجد بشأن عباداتهم سوى اجتماعاتهم في الأسحار لترتيل أناشيد تمجّد المسيح كإله والتزامهم الجماعيّ بنظام يحرّم قتل النّفس والزّنا وإيذاء الغير والخيانة وكلّ المنكرات. إذّاك ردّ ترايانوس* ينهاه قطعيّا عن تتبّع جماعتهم ويأمره في نفس الوقت إن أُحضروا إليه بمعاقبتهم*. فيا له من حكم شوّشته ضرورة غريبة: ينهى عن متابعتهم باعتبارهم غير مذنبين ويأمر بمعاقبتهم بصفتهم مجرمين. يتسامح ويشطّ في العقاب، يتغاضى ويحذّر! لِم تعرّض نفسك للمحاسبة؟ إن تُدن فلِم لا تحقّق في نفس الوقت؟ إن ترفض التّقصّي، فلم لا تغفر كذلك؟ هناك لملاحقة اللّصوص كتيبة معيّنة بالقرعة في كلّ إقليم، وكلّ فرد مجنّد لتتبّع الأعداء العموميّين والخونة، بل يطال التّحقيق شركاءهم والشّهود المتستّرين عليهم. عن النّصرانيّ وحده لا يجوز التّحقيق، لكن يجوز تقديمه للقضاء كما لو جُعل التّحقيق لهدف آخر سوى تقديم المشتبه فيهم للمحاكمة. هكذا تدينون من أحيل إليكم ولم يطلبه أحد للعدالة، وهو كما يبدو لي لم يستحقّ العقاب لأنّه مجرم بل لأنّه قُبض عليه دون أن يكون مطلوبا للعدالة. لكنّكم تتصرّفون إزاءنا خلافا للإجراءات القضائيّة في هذا أيضا: أنّكم تستخدمون التّعذيب مع الآخرين ليقرّوا بما ينكرون، ومع النّصارى وحدهم لينكروا، بينما المفروض، إن وُجد جرم، أن ننكر وتكرهونا بالتّعذيب على الإقرار. ولا ترون من داع للتّحقيق حول الجرائم بالاستجواب، بدعوى اقتناعكم، من مجرّد الاسم، أنّهم ارتكبوها، بينما لا تألون جهدا في حالة اعتراف قاتل بجرمه، ومع علمكم بطبيعة الجريمة، حتّى تنتزعوا منه تفاصيلها بالتّرتيب. والأدهى أنّكم وإن نسبتم لنا تلك الجرائم من مجرّد إقرارنا بالاسم، تحاولون ردّنا عنه بالتّعذيب حتّى ننفي بإنكار الاسم الجرائم المنسوبة إلينا بناء على اعترافنا به. لكن لا إخالكم تريدون أن نهلك مع ظنّكم بأنّا شرّ النّاس، فقد اعتدتم أن تقولوا للقاتل: "أنكرْ" وتأمروا بتقطيع أوصال منتهك الحرمات إن تمسّك بالإقرار؛ إن لم تعاملونا نفس المعاملة، فذلك أنّكم تقرّون ضمنيّا ببراءتنا إذ لا تريدون أن نتمسّك نحن الأبرياء بديننا وأنتم تعلمون أنّكم تنزلون عليه العقاب لا بمقتضى العدل بل لضرورات السّياسة*. يعترف الواحد منّا: "أنا نصرانيّ"؛ يعلن عمّا هو، وتريد أن تسمع منه ما ليس هو؛ أنتم الموكول إليكم إظهار الحقيقة تجتهدون لسماع الكذب منّا نحن فقط؛ يقول: "أقرّ بأنّي كما سألتَ، فلِم تلوي أطرافي خلافا لكلّ الأعراف؟ أعترف وتعذّبني: ماذا ستفعل إذن لو أنكرتُ؟" لمّا ينفي الآخرون بإصرار لا تصدّقونهم بسهولة، أمّا نحن فحالما ننكر تصدّقوننا. هذا الانحراف حريّ بأن يريبكم بوجود قوّة تعمل في الخفاء تدفعكم إلى التّصرّف بما يخالف الأصول، وطبيعة الحكم، بل والقوانين نفسها: فهي، إن لم أخطئ التّقدير، تأمر بالكشف عن المجرمين لا بإخفائهم، وتدعو إلى إدانة المعترفين بالجريمة لا الصّفح عنهم. ذاك ما توضّحه توصيات مجلس الشّيوخ*، ومراسيم الأباطرة؛ هذه الدّولة الّتي أنتم خدّامها سلطة مدنيّة لا استبداديّة. عند الطّغاة يسلّط التّعذيب فعلا كعقاب، أمّا عندكم فيخفَّف إلى وسيلة استنطاق فقط. فالتزموا بالقانون الّذي يقرّ التّعذيب حتّى حصول الاعتراف، وإن استُبق بالإقرار فلا داعي له، بل يجب إذّاك إفساح المجال لإصدار الحكم، ولا بدّ عندئذ من توقيع العقاب على الجاني كما يستحقّ لا إعفاؤه منه. إذ لا أحد يرغب في العفو عنه ولا يجوز أن يريد أحد ذلك؛ لذا لا يُكره أحد على الإنكار؛ تتّهم النّصرانيّ بكلّ الجرائم، بأنّه عدوّ الآلهة، والأباطرة، والقوانين، والأعراف، والطّبيعة بكاملها، وتكرهه على الإنكار لتغفر له ما لا تستطيع غفرانه له إن لم ينكر. أنت تتلاعب بالقوانين: تريد إذن أن ينكر ذنبه لتبرّئه، وتزيل بدون رضاه كلّ شبهة تتعلّق بماضيه؛ من أين أتى هذا الانحراف، ألاّ تعتبروه في اعترافه التّلقائيّ أجدر بالتّصديق ممّا هو في إنكاره القسريّ؟ أليس المجبر على الإنكار مرائيا في إنكاره ولا يلبث بعد عفو المحكمة رأسا أن يرتدّ نصرانيّا ضاحكا على عدائكم. وعليه ما دمتم تتّخذون إزاءنا في كلّ شيء إجراءات تخالف ما تعاملون به المجرمين الآخرين جاعلين كلّ همّكم تجريدنا من اسمنا، وسنتجرّد منه فعلا لو صنعنا ما يصنع غيرنا، يمكن أن تدركوا أنّ القضيّة لا تتعلّق هنا بجرم بل باسم تلاحقه باضطهادها قوّة مؤثّرة حاقدة هدفها أن يرفض النّاس أن يعلموا يقينا ما يعلمون يقينا أنّهم يجهلون. لذا يظنّون بنا أمورا لم تثبت أبدا، ويرفضون تقصّي الحقيقة مخافة أن يتبيّن بطلان ما آثروا تصديقه ليُدينوا ذلك الاسم الّذي تبغضه تلك القوّة المناوئة بناء على جرائم مفترضة غير مثبتة من مجرّد الإقرار به؛ نعذََّب إن أقررنا ونعاقَب إن أصررنا ويُصفح عنّا إن أنكرنا فإنّما على الاسم شُنّت الحرب. في نهاية الأمر لِم تدعون الواحد منّا بناء على لائحتكم بصفته نصرانيّا؟ لم لا تدعونه كذلك بصفته قاتلا؟ أو زانيا بالمحارم أو غير ذلك ممّا تظنّون بنا؟ بشأننا نحن فقط تُخجل أو تزعج تسمية الجرائم ذاتها عند الحكم. إن لم يكن اسم النّصرانيّ اسم أيّ جرم محدّد فمن الخطل حقّا أن ينحصر الجرم في اسمه. 3- تعود تلك الأحكام إلى كراهيتهم بناء على أفكار مسبقة ماذا؟ يبلغ بجلّ النّاس بغضهم الأعمى لهذا الاسم أنّهم حتّى وهم يدلون بشهادة لأحد بالخير، يشوبونها بالطّعن في اسمنا؛ يقول هذا: "أكرمْ بقيّوس سيّوس رجلا فاضلا، إلاّ أنّه مسيحيّ"؛ ويقول ذاك: "أكبرْ بلوقيوس تيتيوس رجلا حكيما لولا تحوّله فجأة إلى المسيحيّة"؛ ولا يتبادر لذهن أحد أنّ قيّوس فاضل ولوقيوس حكيم بالتّحديد لأنّه مسيحيّ، أو هو مسيحيّ بالتّحديد لأنّه حكيم وفاضل. يمدحون ما يعلمون ويشتمون ما يجهلون ويحاربون ما يعلمون بسبب ما يجهلون، والحال أنّ توسّم الخفيّ من الجليّ أحقّ من إدانة الجليّ مسبقا بناء على الخفيّ. وآخرون يستقبحون في من عرفوهم في الماضي قبل حمل هذا الاسم لئاما متقلّبين أخسّة ما يمدحون؛ "أيّة امرأة عابثة لعوب! وأيّ فتى لاه طروب! صارا نصارى"؛ هكذا أُعطي هذا الاسم عنوانا لعمليّة إصلاحهما. كثيرون أيضا من قايضوا مصالحهم وراحتهم بهذه الكراهية راضين بالأذى ما دام لا يوجد ببيتهم ما يكرهون؛ الزّوجة بعدما صارت عفيفة طلّقها زوجها الّذي لم يعد هناك ما يدعوه إلى الغيرة، والابن بعدما غدا برّا مطيعا حرمه من الميراث أبوه الّذي كان أمس صبورا، والعبد الّذي بات أمينا أبعده عن ناظريه سيّده الّذي كان أمس غفورا؛ كلّما أُصلح أحد بهذا الدّين سيء مَن حوله بصلاحه: فلا صلاح يوازن بغض النّصارى! إن بلغ بغض الاسم هذا المدى، فما ذنب الأسماء يا ترى؟ وبم تتّهم ألفاظ، إلاّ إن كان في لفظ الاسم ما يوحي بالهمجيّة أو الشّؤم أو السّوء أو الفحش؟ والحال أنّ اسم المسيحيّين مشتقّ من معنى المسح والادّهان*. ورغم أنّكم تنطقونه خطأ*، فما لكم حتّى باسمنا معرفة ثابتة، هو من الرّفق والسّماحة؛ لذا أنتم تكرهون في أناس أبرياء حتّى اسمهم البريء. لكنّ الملّة تُكره أساسا في اسم صاحبها. أيّة غرابة في أن تشتقّ شيعة من اسم مؤسّسها كنية لأتباعها؟ ألا يُدعى الفلاسفة بناء على أسماء مؤسّسي مذاهبهم أفلاطونيّين* وأبيقوريّين* وفيثاغوريّين*؟ أو نسبة إلى أماكن اجتماعاتهم ومجالسهم رواقيّين* وأكاديميّين*؟ أولا يشتقّ كذلك الأطبّاء اسمهم من إرسسْتراتوس* والنّحاة من أرسطراخوس* والطّهاة من أبيقيوس*؟ مع ذلك لا يسيء إلى أحد أن يجهر باسمه مع المذهب المنقول عن مؤسّسه؛ لا محالة إن أثبت أحد أنّ المعلّم سيّء والفرقة سيّئة، فقد أثبت كذلك أنّ الاسم سيّء وجدير بالكراهية انطلاقا من تجريم المؤسّس والأتباع؛ وقبل ذلك كان كره الاسم يقتضي تعرّف الملّة من مؤسّسها أو المؤسّس من ملّته. لكن هنا يُعمد دون اهتمام بالتّحق |